محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

441

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وقوله - جلّ وعزّ - : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ( 84 ) التفسير والسفك : إراقة الدم . « 1 » أي ولا يقتل بعضكم بعضا ؛ وهو قول عامّة المفسّرين ، لكنّ المعنى في ذلك على وجوه : منها : أنّ من سفك دم غيره وهما على دين واحد وملّة واحدة فقد سفك دم نفسه . ومنها : أنّ من قتل غيره ظلما قتل به قصاصا ؛ فيكون هو الذي قتل نفسه . ومنها : أنّ بعضهم إذا قتل بعضا فقد سفك دماء نوع الناس ، والناس كأنهم شخص واحد في النوع ، وكذلك قوله : وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أي لا يخرج بعضكم بعضا . قال مجاهد : كان بنو إسرائيل إذا استضعف قوم منهم قوما أخرجه من داره ؛ فأخذ اللّه ميثاقهم أن لا تفعلوا ذلك . ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ أي قبلتم الميثاق واعترفتم بأنّه حقّ ؛ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أنّ ذلك الميثاق قد أخذ عليكم . قال ابن عبّاس : وأنتم تشهدون على أنفسكم أنّ هذا في التوراة . قال : وهو خطاب للذين عاصروا زمان النبوّة ، أي وأنتم أيّها اليهود ! تشهدون أنّ هذا الميثاق قد أخذ على أوائلكم ؛ فإلى قوله : وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ خطاب لبني إسرائيل الماضين ، والحاضرون شاهدون على ذلك . وقال أبو العالية : الخطاب كلّه لأوائلهم وإن خرّج مخرج الخطاب لهم ؛ ويجوز أن يكون الخطاب للخلف والسلف جميعا . النظم ووجه النظم بين هذه الآية وما سبق أنّ الآية الأولى مشتملة على المأمورات ( 192 ب ) كلّها والثانية مشتملة على المنهيّات ، وهما حكاية عمّا أخذ عليهم من

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .